ابن قتيبة الدينوري
11
الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة
ولطيف من الحيل كأنه لا يعلم أنه إذا رد على الأول صوابا عند الله بتمويهه فقد تقلد المآثم عن العاملين به دهر الداهرين « 1 » وهذا يطعن بالرأي على ماض من السلف وهو يرى وبالابتداع في دين الله على آخر وهو يبتدع « 2 » وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر وفي تفضيل أحد هما على الآخر وفي الوساوس والخطرات ومجاهدة النفس وقمع الهوى فقد صار المتناظرون يتناظرون في الاستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر فهم دائبون يخبطون في العشوات قد تشعبت بهم الطرق وقادهم الهوى بزمام الردى . [ رغبة الأئمة الصادقة في أن لو كان ناب عنهم آخرون في الافتاء - سد الظاهرية على أنفسهم باب الاجتهاد والرأي بمتابعتهم بدعة النظام في نفي القياس الفقهي ] وكان آخر ما وقع من الاختلاف أمرا خص بأصحاب الحديث الذين لم يزالوا بالسنة ظاهرين وبالاتباع قاهرين يداجون بكل بلد ولا يداجون ويستتر منهم بالنحل ولا يستترون ويصدعون بحقهم الناس ولا يستغشون لا يرتفع
--> - من شذاذ المشاغبين العاجزين عن تفهم مداركهم المتظاهرين بقدرة الاستدراك عليهم مع أن قصارى عملهم هو البروز إلى مضمار الكفاح بأسلحة ما اشتدت لها سواعد هم ارتكازا على مثل رد ابن أبي شيبة على أبي حنيفة ومؤلف ابن علية في مالك وكتاب ابن عبد الحكم في الشافعي من غير نظر ولا تطلع إلى كتب قاضية على تلك الردود من مؤلفات البارعين من أصحاب هؤلاء الأئمة ومن غير عزو إليهم ايهاما لاتباع كل ناهق انها من مبتكرات أحلامهم وانهم أصبحوا اكفاء للرد على هؤلاء الفقهاء وهذه الطريقة من الرد هي التي لا يرتضيها المصنف ويشكو من ظهور بوادرها في عصره وفي ذلك عبرة بالغة . ( 1 ) وكان الأئمة المتبوعون يودون ان لو ناب عنهم آخرون في الافتاء ولولا تعينهم لجروا على طريقة ابن عيينة في الاباء عن الافتاء كما ورد عنهم بمعان متقاربة وقد أخرج الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه بسنده عن أبي حنيفة « من تكلم في شيء من العلم وتقلده وهو يظن أن الله لا يسأله عنه كيف أفتيت في دين الله فقد سهلت عليه نفسه ودينه » واخرج أيضا بسنده عن أبي حنيفة « لولا الفرق من الله ان يضيع العلم ما أفتيت أحدا يكون له المهنأ وعليّ الوزر » . ( 2 ) كالظاهرية الذين تابعوا النظّام في نفي القياس الفقهي حتى سدوا على أنفسهم باب الرأي والاجتهاد وخرقوا بذلك اجماع من قبلهم من فقهاء الصدر الأول ولم يميزوا بين حميد الرأي وذميمه ، وفي الفقيه والمتفقه استقصاء ما ورد في ذلك بحيث يسد عليهم سبل التمويه .